فضيلة الصبر – 2

بسم الله الرحمن الرحيم وبه نستعين ونصلي ونسلم على الخاتم الأمين.

كتبت بتاريخ 5/6/2024 موضوعاً يختص بحكة سببتها لي هستامينات معينة – والحكة تحتاج مني للصبر، أما عدمه فيزيد منها (رابط المقال – اضغط هنا).
أما موضوع اليوم -2 ذو الحجة 1445 ه- 26/6/2024 م فهو أيضاً له علاقة بالصبر، لكنه يهدف لتوضيح أن هذه الخصلة وهي فطرة وهبها لنا الخالق سبحانه بعكس ما يريد لنا الشيطان من النسيان. أوضح بدءاً أنني بلغت من العمر ما أظنه أرذل العمر. ولولا هبة الله وهدايته كاد صبري ينفذ حتى سولت نفسي ألا أكتب هذا الموضوع.


أوضح أن هبة التذكر من لطف الله لنا وحبنا من ناحية وكراهيته للجانب السلبي أي عدم التذكر وهو النسيان، بل حتى تأخير رفع العقوبة لمن لا يصبر رفعها بإذنه تعالى وتأخيرها مستقبلاً فالله فعال لما يريد. مرة أخرى أوضح أن الله اللطيف بنا وهو العليم بالغيب يريد لنا الصبر ولا يريد لنا التعجل كما جاء في قوله عز وجل: في الآيات: الأنعام: (ولا تطرد) آية 52، والكهف: (واصبر نفسك).

ولنتأمل صبر صلوات الله عليه وسلامه عليه صبره على مجالسة كبراء قريش الذين اشترطوا عليه أن يبتعد عن مصاحبة ومجالسة الضعفاء أمثال: سلمان وصهيب وبلال وخباب وعمار- ذلك جزءاً من اليوم ويتفرغ لهم أي الكبراء بقية اليوم. اشترطوا ذلك ليقبلوا دين الإسلام. إن شدة الصبر دفعت من المفسرين من يعتبر جهاداً حتى لو لم يكن السيف فيه قد سلط. ومن رحمة الله ولطفه علينا تأخير العقوبة كما ورد في قوله عز وجل: سورة الملك: (قل أرأيتم إن أهلكني الله ومن معي أو رحمنا فمن يجير الكافرين من عذاب أليم) الملك – الآيات 28 إلى 30، وقال عز وجل: في سورة الكهف آية 58 (وربك الغفور ذو الرحمة لو يؤاخذهم بما كسبوا لعجل لهم العذاب بل لهم موعد لن يجدوا من دونه موئلاً) وفي سورة فاطر -آية 45 (ولو يؤاخذ الله الناس بما كسبوا ما ترك على ظهرها من دابة ولكن يؤخرهم إلى أجل مسمى فإذا جاء أجلهم فإن الله كان بعباده بصيراً) آية 45 فاطر. نلاحظ الجانب الإيجابي وحب الله وهبته لنا كما في قوله عز وجل في سورة البقرة آية 268: (الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء والله يعدكم مغفرة منه وفضلاً والله واسع عليم).
وهناك جانب سلبي حدث أثناء مصاحبته العبد الصالح في نسيان الحوت عند الصخرة- سورة الكهف 63.

من هنا أتوجه إلى الذي تذكَّرته ُبعد هداية الله لي: “الضرير” و”البوشي” و”مصطفى طيب الأسماء”.
فالضريرَ كنت درّسْتُ معه أيام كنت أدرِّس بمدرسة سنجة الثانوية- تلك أيام أكثر الوزير محمد الدين صابر إنشاء المدارس الثانوية تكاد تجدهم يدرسون تحت ظلال الأشجار- ذلك في عهد الرئيس عبود رحمهما الله. إلا أنني أذكره أو بالأحرى يذكِّرني به مسجد عائلة الضرير الواقع عند نهاية شارع الزعيم الأزهري الذي يمر بكبري شجات. رحمة الله عليه كان شخصاً في غاية التهذيب حافظاً لحدوده وحدود الآخرين. أما “البوشي” فذاك المسجد الكبير بمدينة ودحدني.

أتذكر ابنه وهو من أوائل من درّسُوا علم الجيولوجيا في جامعة الخرطوم- كلية العلوم ذلك في خمسينات القرن العشرين، كنت أجد متعة في تدريسه لنا، رحمة الله عليه حياً وميتاً.
“مصطفى طيب الأسماء” طيب الله ثراه فقد درَّسني في مدرسة حنتوب الثانوية المشهورة قبل أن تم نجاحنا إلى جامعة الخرطوم كلية العلوم، وقد زاملته في كلية التربية بعد رجوعي من الاغتراب بالسعودية بعد عام 1989 م. نعم الأستاذ رحمة الله عليه قد استفدنا منه الدروس الدينية واللغة العربية. تجد هنا جزءاً من قصيدته ” أيها الإنسان” التي يبدو فيها تأثيره بالأوضاع السائدة. تبدأ القصيدة ب:

أيها يا نسل أبي يا أخا القربى وذا النسب.. وتنتهي ب:
قد خلقنا أمة فوق الثرى هكذا قدر خلاق الورى
حين صاغ الطين أنسا وبرى لم يكن منا الذي قد صُوِّرا
من سنا النور مضيئاً أزهرا فاجعل القلب صفياً نضرا
إن قلب المرء نبراس الثرى كلما أزهر بالحب سرى
نغمَ السلم وآتي الثمرا ونما العيش بهياً عطرا
يسعد الكل به مستبشرا إنما الناس جميعاً لأب
وهو في المبدأ من طين وماء
ما خلقنا للتعادي والشجار فعلام الحقد والنفار
وعلام الحرب تذكى وتدار وعلام الغل فينا والاسار
كل يوم ذرة منها الدمار تملأ الآفاق سما والبحار
وهي للعالم ويل واندثار وهي للكل فناء واندحار
هل سئمنا العيش في ظل القرار أم زهدنا الحب والصفو النضار
أنه طيش عقول وانتحار وإذا المرء ازدهى تيهاً وجار
فهو بالناس وإن أعلى المنار إنما الناس جميعاً لأب
وهو في المبدأ من طين وماء.

أراد الله لدين الإسلام الحنيفية قال عز وجل: (إن إبراهيم كان أمة قانتاً لله حنيفاً ولم يكن من المشركين) سورة النحل- آيات 120 إلى 123 -فَرِحْتُ بانتمائي للدين الحنيف فَرحْتُ أنَقِّب في مدح شوقي والبوصيري،
نعم: ولد الهدى فالكائنات ضياء وفم الزمان تبسم وثناء

خاتم النبيين والمرسلين محمد صلى الله عليه وسلم فهو الخُلُقُ العظيم قدوتنا ومعلمنا كان حريصاً أن يبلغ ما نزل به جبريل عليه السلام “سنقرئك فلا تنسى” سورة الأعلى -آية 6.

لابد أن نختم بالآية 159 من سورة آل عمران “ولو كنت فظّاً غليظ القلب لانفضوا من حولك”.
إنه رحمة للعالمين فهو مرسل للكونين هدى ورحمة ومبشراً ونذيراً وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً قال عز وجل في سورة الأحزاب: الآيات 45 إلى 48 “يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهداً ومبشراً ونذيراً وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً وبشر المؤمنين بأن لهم من الله فضلاً كبيراً ولا تطع الكافرين والمنافقين ودع أذاهم وتوكل على الله وكفى بالله وكيلاً”.

يقال: “العدل أساس الملك”، قال المعصوم صلى الله عليه وسلم (إنما هلك الذين من قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد)
وقال: (وأيم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها). الشعار رفع في دور القضاء لكن فعلياً لا يطبق، ألا تأملنا في العد الذي أقامه الخليفتين عمر بن الخطاب، صبر فعدل فنام، وعمر بن عبد العزيز رضي الله عنه.

اكتشاف المزيد من موقع الأستاذ الدكتور فاروق محمد حسين

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading