ليلة تكريم الكابلي

مقدمة

المقصود بهذه المقدمة توضيح الآتي:

أولا: ‏أن تشاهد تكريم الفنان عبد الكريم الكابلي في الحفل المقام له بواسطة جامعة الأحفاد ذلك ما نشاهده في اليوتيوب – على انني انوه انني أكتب هذه المقالة يوم الاثنين ٢٤/٢/٢٠١٩ ، ‏والحفلة أقيمت ليلة السبت ٢٢/٢ ‏و شاهدته مباشرة.

 

ثانيا: ‏ليعلم القارئ أن الشخصيات المعنية في هذه المقالة المختصرة اعرفهم جميعا ، وقد عاصرت معظمهم – لكني اعود فاقول : بل جميعا . هنا عنيت بجميعا لأنني أعتقد راسخا بأنك قد ترى شخصا قد غيبه الموت عنك حتى لو كان ذلك عبر زمن بعيد فبإمكانك أن تراه يعيش معك معاصرا. ‏هنا لابد من الرجوع إلى كتابي المترجم “عش حياتك وجدانا” صفحة 100 وأيضا صفحة 102 عن “مجموعة العقل المدبر” و “التعلم من الأخيار” <<link>>.

ثالثا: ‏أكن لجميع الشخصيات الواردة في المقالة كل التقدير والمودة وأسأل الله للجميع خير الدارين.

رابعا: ‏يقيني أن الفن والحياة صنوان بمنظومة – لا حياة بلا فن ولا فن بلا حياة.

خامسا: ‏هدف المقالة ونشرها: ‏موعظة لي ولمن حولي من العباد تفكرا وتاملا . وأشير إلى الظروف السياسية والاجتماعية والاقتصادية المحيطة بالبلاد ابان إقامة الاحتفال – تلك الظروف التي لا شك يعلم بها القارئ إلماما تاما .

‏ليلة تكريم الكابلي

‏لنبدأ بسم الله الرحمن الرحيم (تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (1) الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا ۚ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ (2) الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا ۖ مَّا تَرَىٰ فِي خَلْقِ الرَّحْمَٰنِ مِن تَفَاوُتٍ ۖ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَىٰ مِن فُطُورٍ (3) ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ (4)) – سورة الملك. ‏وفي سورة الروم الآية 40 نجد معنى الخلق والموت ، وفي نفس السورة الآية 54 نعلم أن الإنسان مهما بلغ من العلم لكن بعد بلوغه زمنا طويلا تضعف ذاكرته.

‏في هذا الخصوص نذكر مرجعا لمن فقد ذاكرته من كبار السن : إنه قيادة قيادي إسلامي أحمد عبد الرحمن محمد ، يبلغ لجنة التحقيق في انقلاب 89 الذي قاده ‏عمر البشير والمرحوم حسن الترابي ذلك بأن القيادي هذا أقر بفقدان ذاكرته وأنه لن يتمكن من الإدلاء بأي بأي معلومات في التحقيق . جدير بالذكر قوله تعالى عز وجل في سورة يس الآية 68 (ومن وعمره ننكسه في الخلق أفلا يعقلون) ، وكذا قوله عز وجل في سورة النحل آية 70 (والله خلقكم ثم يتوفاكم ومنكم من يرد إلى أرذل العمر لكي لا يعلم بعد علم شيئا إن الله عليم قدير) صدق الله العظيم.

‏الآن أبدأ بسرد الشخصيات . واسمحوا لي أن أبدأ بمن عشقت معيته : إنه طلحة جبريل . أحب هذا الاسم الذي جاء في القرآن . إنه في وجداني : سردته من قبل في مقدمة كتابي بعنوان من المفيد – راجع link ‏ – كما أن اسم طلحة من أسماء الصحابة رضي الله عنهم . طلحة جبريل قدوة أيكونة إعلامية تحتذى . ربما ألمح الطيب صالح أو منصور خالد بكبريائه – أكاد أراه من بينهم بكدوسه أو قل بسيجاره إن لم يخن القول ممثلا لشموخ الحضاره البريطانية .

وذاك شاعر محبوب . إنه محي الدين الفاتح طريق لأنشودته عن التجلة عندما تعرفت عليها ونحن قد جمعنا اليمن السعيد . ربما هو في جنوب اليمن وشخصي في صنعاء زمن حكم البشير المتزامن مع علي عبد الله صالح وربما فقط تلاقينا في مطار صنعاء وهو ‏متجه مثلي إلى الخرطوم.

اما ذلك الذي عرفته منذ زمن بعيد في داخلية عثمان دقنة ايام الدراسة بحنتوب الجميلة افوقه في العمر بدفعتين جمعنا نفس العنبر وكان محبا للغناء منذ أن كان طالبا ، ثم انتقل إلى بغداد حيث أتم دراسته الجامعية ونال درجة الدكتوراة في تخصص علم الأغذية ، وصار بروفيسيرا في جامعة الأحفاد. ‏كنت ارتاد أحاديثه عن أغاني الفنانين ، المعاصرين منهم والأقدمين ، لكنه غاب عني الى أن التقيته في مهرجان تكريم الكابلي . انه بروفسير علي محمد علي.

هل يخفى علينا رؤية ذلك الشيخ بل العجوز الذي ضرب الأرض يمنة ويسارا طربا يتبختر بين الراقصين في الحفل ليس يتوكأ على عصاه كما نفعل نحن أمثاله ، بل على “مشاية” ، نعرف قدرها نحن كبار السن.

قيل لي هنا وفي زاوية واضحة يوجد الباشمهندس هاشم ، ابن صلاح مطر ، وما أدراك ما صلاح مطر – هؤلاء “الكوارتة” الطيبون لي معهم ذكريات طيبة عطرة في مبناه – دار العمارة – إذن نذكر الشاعر أبو آمنة حامد يزورني في شقتي ، وهو ابن الدفعة التي سبقتني في مدرسة كسلا الأميرية الوسطى.

لا شك أيضا يقترن مجيئ أبو آمنة مع أبو القاسم محمد إبراهيم الذي يتردد كثيرا على صلاح مطر – لكن سألت نفسي ماعلاقة هاشم مطر بالأحفاد ؟ طبيعي أتى في خاطري ابن هاشم ، شهيد ثورة ديسمبر رحمة الله عليه في جنة الخلد بإذن الله . هل لآل مطر وقف لمؤسسة الأحفاد؟

أيضا من رواد العمارة نهارا ربما يتسوقون حيث دكاكينها تزخر بما لذ وطاب من هؤلاء الرواد ‏في الحفل حسين خوجلي صاحب القناة وصحيفة ألوان . كما ألمح سفيرنا بالامم المتحدة دكتور عبد المحمود . قبل ان أبرح دار العمارة لن أنسى الحديث الذي نقش في مكتب صلاح : روى أبو هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم (المؤمن يأْلَف ويُؤْلَف، ولا خير فيمن لا يأْلَف ولا يُؤْلَف ، وخير الناس انفعهم للناس) .

لن أنسى صديق العمر مزمل أبو الريش : زاملته في جامعة صنعاء . كان يحب الطرب – رحمه الله . ذات مرة طلب مني قرصا أحضره له من الخرطوم ، وخصص أغنية الكابلي : زمان الناس . مزمل منعه حكم البشير من دخول الخرطوم بعد أن شُرِّد ولجأ للعمل في ليبيا ، يدرِّس الهندسة المعمارية في جامعاتها ، وانتهى به المطاف في جامعة صنعاء محاضرا في علم المعمار . ‏انشغل كثيرا بتأليف كتاب عن الإنقاذ ومساوئها و عدّد اللذين يتاجرون باسم الدين . اذكر أن كتابه كان على نحو ما قام به الطيب صالح في رواية موسم الهجرة إلى الشمال.

لقد وقع بصري على احد ابناء المشير سوار الذهب – عاصرته في علاقة علاج . كان يعمل في العلاج بالذرة ، وبعدها تحول للمشرحة ، من الأخصائيين المشهورين . أيضا شاهدت ابني بلا – أحدهما عبد المنعم بلا الذي هو دفعتي في بداية دخولنا جامعة الخرطوم كلية العلوم في الخمسينات من القرن الماضي . وكان عبد المنعم يلقب بأرسطو لعلمه ونجابته . وكان من أغرب حدث له عدة مرات أن شاء الله له أن لا يوفق لإحراز الدرجة المناسبة ليدخل كلية الطب جامعة الخرطوم وذلك بالرغم من أنه كان عميقا في كل المواد خدرجة الكيمياء فقط كانت السبب – ‏ذلك مما جعله يلتحق بالطب في جامعة المانية أتيحت له الفرصة فتمكن بعدها ونال التخصص ووفقه الله وكان عالما مساهما في نشر الدعوة خاصة في الإعجاز العلمي ، فحباه الله وجعله عالميا في هذا المجال . ‏سبحان الله كان اخوه أيضا مما يشار إليه بالبنان في مجال العلم والفقه والتدبر في خلق الله مما جعل قناة أمدرمان لحسين خوجلي تستضيفه عدة مرات ، فأحسن واجاد وأبدع . جدير بالذكر أنه ابوهما كان يخيط الملابس في مدينة أمدرمان.

وهناك يجلس النطاسي الأديب المحبوب عمر محمود خالد ، الذي خطف منه برنامجه المفضل الدكتور مأمون حميدة . وأمام ناظري مدير الحفل بروفيسير مالك بدري – الذي يرعى الحفل – آل بدري الذي حظى الله بهم السودان وسخرهم لبنائه وتطويره ، وبالطبع يسطع نجم عبد الكريم الكابلي المحتفى به بين الكواكب والنجوم.

كم سعدنا بلقاء شخصيات كثيرة لا يتسع المقام لذكرهم جميعا ، فمنهم من كان يدير الحفل ومنهم ، ومنهم ربات البيوت . ولقناة النيل الأزرق الشأن العظيم في إقامة الحفل ، ولكورال الأحفاد وغيره من الفنانين أيضا الإسهام العظيم.

قارئي العزيز ، لنعتبر ما كتبته خالصا للكابلي الذي أوفى حقه ليس للسودان فقط ، بل لآسيا وأفريقيا ، ولنقل للإنسانية جمعاء . فهو المستحق للتكريم ولشكر القائمين على التكريم واشكر لابن الكابلي سعد الذي ‏ختم وأوجز ، وأنا بدوري أوجز ، إذ لاحظت أن المحتفى به لم يعبر في الختام إلا بالصمت.

وإن في ذلك لحكمة لأولي الألباب ، فلا نقول إلا سبحان الله وبحمده عدد خلقه وزنة عرشه ورضا نفسه ومداد كلماته سبحان الله العظيم . وقال عز وجل (وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ ثُمَّ يَتَوَفَّاكُمْ ۚ وَمِنكُم مَّن يُرَدُّ إِلَىٰ أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْ لَا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئًا ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ قَدِيرٌ) آية 70 النحل. ‏

في الختام اعتذر لما وقع مني من خطأ ، وليغفر لي ربي . (رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلاَ تُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنتَ مَوْلاَنَا فَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ) صدق الله العظيم.

اكتشاف المزيد من موقع الأستاذ الدكتور فاروق محمد حسين

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading